الجاحظ

39

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

خطبة من خطب معاوية ( ر ) رواها شعيب بن صفوان ، وزاد فيها البقطريّ وغيره ، قالوا : لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له : من بالباب ؟ قال : نفر من قريش يتباشرون بموتك . فقال : ويحك ، ولم ؟ قال : لا أدري ، قال : فو اللّه ما لهم بعدي إلا الذي يسوؤهم . وأذن للناس فدخلوا ، فحمد وأثنى عليه وأوجز ثم قال : أيها الناس ، أنا قد أصبحنا في دهر عنود « 1 » ، وزمن شديد ، يعدّ فيه المحسن مسيئا ، ويزداد فيه الظالم عتوا ، ولا ننتفع بما علمناه ، ولا نسأل عما جهلناه ، ولا نتخوف قارعة حتى تحلّ بنا . فالناس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه ، وكلال حدّه ، ونضيض وفره « 2 » . ومنهم المصلت لسيفه ، المجلب بخيله ورجله ، المعلن بسره ، قد أشرط لذلك نفسه ، وأوبق دينه ، لحطام ينتهزه ، أو مقنب يقوده ، أو منبر يفرعه « 3 » ، ولبئس المتجر أن تراها لنفسك ثمنا ، ومما لك عند اللّه عوضا . ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه وشمّر من ثوبه ، وزخرف نفسه للأمانة ، واتخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية . ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه ، وانقطاع من سببه ، فقصرت به الحال عن أمله . فتحلى باسم القناعة ، وتزين بلباس الزهادة وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نادّ « 4 » ، وخائف منقمع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وموجع ثكلان ، قد أخملتهم التقية ، وشملتهم الذلة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة « 5 » ، وقلوبهم قرحة ، وقد وعظوا حتى ملوا ، وقهروا حتى ذلوا ، وقتلوا حتى قلوا . فلتكن الدنيا في

--> ( 1 ) عنود : جائر . ( 2 ) نضيض وفره : قليل ماله . أشرط نفسه : أعدها . ( 3 ) يفرع : يعلو . ( 4 ) ناد : نافر . ( 5 ) ضامزة : ساكنة .